داود القارصي
عالمٌ ومدرّسٌ عثمانيّ متعدّد الجوانب؛ عُرف بدروسه في مدرسة الجامع الكبير ببركي، ولا سيّما بشروحه على مؤلّفات البركويّ. وكان يُعرف في عصره بـ داود القارصي أو داود أفندي ؛ ويعرّف بنفسه في مقدّمات جميع مؤلّفاته بـ داود بن محمّد القارصيّ الحنفيّ . أصله من قارص؛ ولا تُعرف سنة مولده ولا أخبار أسرته. وتلقّى تعليمه المدرسيّ الأساسيّ بقارص على چولاق عبد الله أفندي الزاهد العالم المعروف في تلك الناحية. ثمّ رحل إلى إسطنبول فأتمّ تحصيله وملازمته. ونجح في امتحان الرؤوس الذي كان الآقكرمانيّ من مميّزيه؛ و رسالة الامتحان المؤلّفة من أسئلة المميّزين وأجوبته محفوظةٌ في مكتبة السليمانيّة. ولا تذكر المصادر تعيينه في مدرسةٍ من مدارس الأطراف؛ ويذكر كاتب المادّة أنّه يمكن أن يُستنتج من حياته الزاهدة البعيدة عن المناصب الرسميّة أنّه لم يُقبل على مثل هذا التعيين. وبعد إتمام تحصيله رحل إلى مصر؛ فأثبت فيها أهليّته العلميّة لمن حوله في مدّة قصيرة وشرع في التدريس، وصنّف كتبًا أكثرها لحاجة طلّابه. ولا يُعرف على وجه اليقين متى عاد من مصر؛ غير أنّه — بالنظر إلى أنّ طلّابه نسخوا اثنين من كتبه المؤلّفة هناك بإسطنبول في أوائل سنة 1154 (أواسط 1741) — يمكن القول إنّه قدم إسطنبول في أواخر سنة 1153 (أوائل 1741). وبعد مدّةٍ رحل إلى بركي بلد البركويّ الذي كان معجبًا به، فاستوطنها ودرّس في مدرسة جامعها الكبير. ويُفهم من كتبه التي ألّفها يومئذٍ أنّه ذهب سنة 1159 (1746) إلى قبرص فأقام بها مدّةً مشتغلًا بالتعليم والإرشاد. ويُعرف من قيد الفراغ في كتابٍ كتبه بلارنده (قرمان) أنّه كان بها زائرًا في عيد الفطر سنة 1162 (14-16 سبتمبر 1749). ودرّس في مدرسة الجامع الكبير ببركي علومًا شتّى كاللغة العربيّة وآدابها، والتفسير، والحديث، والكلام، والمنطق، وآداب المناظرة، وعلم الميقات؛ فكان يسعى إلى تخريج طلّابه بمنهجٍ تعليميّ متين، ويصنّف في هذه العلوم بالتركيّة والعربيّة كتبًا كثيرة. ولم يأبه بمتاع الدنيا ولا بالمناصب، فآثر حياة الزهد؛ ونال تقدير طلّابه ومحيطه بعلمه وتقواه وتمسّكه بعقيدة أهل السنّة. وقضى آخر 15 سنة من عمره ببركي، وتوفّي بها في أواخر سنة 1169 (أغسطس 1756). ودُفن — بوصيّةٍ منه — بجوار البركويّ المدفون على تلٍّ خارج بركي. ويُعرف من بعض المصادر التي تذكر مؤلّفات ابنيه أنّه كان له ابنان هما عمر وعثمان. شاعريّته وخطّه الصوفيّ — يُفهم من مضمون بعض كتبه أنّه جاهد المشارب الصوفيّة التي خالطتها أفكار باطنيّة، ودافع في مقابلها عن مفهوم الإحسان في عصر السعادة. وقد ألّف الرسالة النوريّة والمشكاة القدسيّة — وهي تفسير الآية 35 من سورة النور — ردًّا على بعض غلاة أهل التصوّف، وكتب شرح آمنتُ بالله على مذهب الماتريديّ. آثاره — كتب شروحًا وحواشيَ على كثير من الكتب المؤلّفة قبله، المتداولة في الغالب كتبًا دراسيّة، تيسيرًا لطلّابه خاصّة؛ ويجمع المصدر مؤلّفاته في سبع مجموعات. التفسير والقراءات : الرسالة النوريّة؛ و الفتحيّة في نطق حرف الضاد؛ و تحريرات وتقريرات على البسملة والحمدلة؛ وشرح على الدرّ اليتيم للبركويّ في التجويد. الحديث : شرح أصول الحديث للبركويّ، كتبه ليعطي طلّابه علم الأصول قبل إقرائهم صحيح البخاريّ، وطُبع مرارًا (أوّلها إسطنبول 1272)، وتُرجم إلى التركيّة ( مقرّب الطالبين ، إسطنبول 1290)، وكُتبت عليه حواشٍ. الكلام : شرحان على القصيدة النونيّة لخضر بك، أحدهما تركيّ (1158/1745) والآخر عربيّ (أتمّه ببركي في أواخر 1169/1756)؛ وشرح آمنتُ بالله؛ وشرح قصيدة بدء الأمالي للأوشيّ؛ و رسالة في بيان مسألة الاختيارات الجزئيّة في أفعال الإنسان والإرادة. المنطق : الموجز على تهذيب المنطق للتفتازانيّ؛ و تكملة لتهذيب المنطق التي أتمّها سنة 1150 (1737) وشرحها؛ و شرح الإيساغوجي و الإيساغوجي الجديد اللذان كتبهما بقبرص سنة 1159 (1746)؛ وشرحٌ كتبه بلارنده على رسالة أبي سعيد الخادميّ في القضيّة. الجدل والمناظرة : تذكرة لوظائف البحّاثين التي كتبها سنة 1152 (1739) وشرحها. اللغة العربيّة : شرح الأمثلة المختلفة (عربيّ وتركيّ)، وشرحان على إظهار الأسرار و العوامل للبركويّ، ومعجم مختار مختار الصحاح الذي أتمّه سنة 1151 (1738)، وشرحٌ في العروض كتبه سنة 1155 (1742). علم الميقات : شرحان على رسالتين في تعيين القبلة وتحديد أوقات العبادة. وله سوى ذلك مجموعة تعليقات وتقريرات تسمّى معلومات — وتُعرف أيضًا بـ تقريرات داود أفندي — تضمّ 33 عنوانًا رئيسيًّا.
