الحكيم الترمذي
صوفيّ عُرف بآرائه في الولاية. اسمه الكامل أبو عبد الله الحكيم محمد بن علي بن الحسن الترمذي . وقد لُقّب بـ الحكيم لأنّه نقل إلى التصوّف مفهوم الحكمة الآتي من الفلسفة الهلنستيّة والغنوصيّة فأسهم في دخول هذه الحركة طورًا جديدًا. وُلد في ترمذ على الأرجح في أوائل القرن الثالث (التاسع). ويذكر في رسالته بدوّ الشأن ، التي روى فيها حياته وجانبًا مهمًّا من تطوّره الروحيّ، أنّ رجلًا وصفه بأنّه «تجلٍّ سعيد لقدره ومعلّم صالح» حثّه على العلم؛ والأرجح جدًّا أنّ هذا المعلّم الذي تعلّم منه العلوم النقليّة والعقليّة منذ صغره كان أباه المحدّث. وسمع الحديث من كثير من المحدّثين في ترمذ وبلخ، وتعلّم الفقه من فقيه حنفيّ بارز. وفي السابعة والعشرين من عمره خرج قاصدًا الحجّ؛ فأقام مدّة في العراق يسمع الحديث، ثمّ وصل إلى مكّة عن طريق البصرة. ويروي في بدوّ الشأن أنّه كان يدعو كلّ ليلة وقت السحر عند الكعبة ويتوب من كبائره، ويتضرّع إلى الله أن يوفّقه لإصلاح حاله والزهد في الدنيا وحفظ القرآن. وبعد الحجّ أتمّ حفظ القرآن في بلده؛ وأخذ يقرأ الكتب ويبحث ويطوف البلاد باحثًا عن مرشد، ليعرف الله ويقبل على الآخرة. وداوم في أثناء ذلك على الصوم وصلاة النوافل. وتأثّر بأقوال العارفين؛ وسلك طريق الرياضة والمجاهدة بتأثير كتاب لأحمد بن عاصم الأنطاكي. وفي هذه المرحلة التي كان يحبّ فيها العزلة ويتجوّل وحده في البراري ويكثر من زيارة الخرائب والمقابر، رأى في منامه النبيّ ﷺ على حدّ روايته؛ ويقول إنّ الحجاب بينه وبين الحقّ ارتفع أخيرًا وحظي بالإلهام، وبدأ يسامر من يأتون مجلسه حتّى الصباح. وحضر مجالس كبار الصوفيّة مثل أحمد بن خضرويه ويحيى بن معاذ الرازي وأبي تراب النخشبي. ولقيت مؤلّفاته في موضوعات شديدة التنوّع مثل التصوّف والأخلاق والكلام والحديث والتفسير وتاريخ الفرق وعلوم اللغة اهتمامًا؛ غير أنّ ذلك جعل بعضهم يحسده ويتّهمه بتأويل بعض أقواله تأويلًا خاطئًا. فشُكي إلى والي بلخ بدعوى أنّه يتكلّم في المحبّة ويفسد أخلاق الناس ويبتدع ويدّعي النبوّة؛ فأخذ منه الوالي تعهّدًا مكتوبًا بألّا يتكلّم في هذه المسائل. ويقول الحكيم الترمذي إنّ ما لقيه من شدائد زاده نضجًا، وإنّ الذين آذوه اضطرّوا في آخر فتنة وقعت إلى الفرار من بلادهم، وإنّ الذين يوقّرونه واصلوا حضور مجلسه. ولا توجد في بدوّ الشأن معلومات عن المرحلة الأخيرة من حياته. وظلّ إلى آخر عمره يؤلّف ويشتغل بتربية المريدين الذين اجتمعوا حوله وإرشادهم؛ وتوفّي في ترمذ سنة 320 (932). ولا يزال أهل ترمذ يزورون تربته إلى اليوم. حلقة تأثيره — سُمّيت الجماعة التي تبنّت آراءه الحكيميّة ؛ ومن أبرز وجوهها أبو بكر الورّاق وأبو علي الجوزجاني. وقد استفاد الغزالي في باب «الغرور» من إحياء علوم الدين استفادة واسعة من كتابه الأكياس والمغترّين ، واستفاد ابن قيّم الجوزيّة في كتاب الروح من كتابه الفروق ومنع الترادف . ويذكر ابن عطاء الله السكندري أنّ شيخه المرسي وأبا الحسن الشاذلي كانا يقدّرانه تقديرًا كبيرًا ويعدّانه من أكابر الأولياء؛ وهذا الأثر موجود في ابن عطاء الله نفسه. ويُنقل أنّ بهاء الدين نقشبند كان يعدّه وليًّا كبيرًا ويتوجّه إلى روحانيّته أحيانًا. والحكيم الترمذي الذي فتن قلب الهجويري متصوّف أُعجب به ابن عربي وتأثّر به. شاعريّته وخطّه الصوفيّ — سعى بأسلوب خاصّ به إلى التوفيق بين النقل والعقل وإلى إقامة العلوم النقليّة على أساس عقليّ. وهو يفهم التصوّف إلى حدّ بعيد على أنّه حكمة؛ فيقسم المعرفة إلى علم وحكمة ظاهرة وحكمة باطنة، ويقف عند الأخيرتين. والحقّ والعدل والصدق من المفاهيم التي يعنى بها عناية خاصّة: فالحقّ للجوارح، والعدل للقلوب، والصدق للعقول. والأعمال الروحيّة عنده إمّا بجهد بشريّ وإمّا بعناية إلهيّة؛ ففي الأولى تكون الولاية العامّة، وفي الثانية الولاية الخاصّة. والولاية كالنبوّة ليست كسبيّة بل هي فضل إلهيّ؛ لكنّ النبيّ لمّا كانت عليه مهمّة التبليغ احتاج إلى دليل كالمعجزة، أمّا الوليّ فلا: «النبوّة بدليل، والولاية دليل». والولاية لا يحدّها زمان، ففي كلّ زمان وليّ. ويلفت النظر أكثر ما يلفت بآرائه في «ختم الأولياء»: فكما أنّ هناك خاتم الأنبياء فهناك خاتم الأولياء، وهو ليس آخر الأولياء فحسب بل أعلاهم مقامًا. وقد أثّرت هذه الآراء في المتصوّفة بعده تأثيرًا واسعًا. ويقول إنّه لم يكتب كتبه عن تخطيط مسبق، بل ليجد السلوى حين تغلبه الأحوال الروحيّة. آثاره — وصل جزء مهمّ من مؤلّفاته إلى أيّامنا. ① ختم الأولياء : كتاب في تسعة وعشرين بابًا عولجت فيه مسألة النبوّة والولاية لأوّل مرّة معالجة منتظمة شاملة؛ وفي الباب الرابع طُرح 157 سؤالًا ذا طابع صوفيّ وتُركت بلا جواب، فأجاب ابن عربي عن هذه الأسئلة في كتابه الجواب المستقيم وفي الفتوحات المكّيّة . ② بدوّ الشأن : سيرته الذاتيّة. ③ علل الشريعة : يبيّن بالأمثلة أنّ من ينظر بنور الله يستطيع إدراك علل الأحكام الشرعيّة وحكمها. ④ حقيقة الآدميّين : يسعى إلى إثبات صحّة العلوم النقليّة بالمنهج الفلسفيّ. ⑤ المنهيّات : يبيّن أنّ وراء كلّ نهي علّة. ⑥ نوادر الأصول في معرفة أخبار الرسول : شرح حديث تحت كلّ واحد من 291 عنوانًا سمّى كلًّا منها «أصلًا». ⑦ الفروق ومنع الترادف : في الفروق بين الكلمات التي تبدو مترادفة. ومن مؤلّفاته المنشورة الأخرى صفات القلوب ، و كتاب الرياضة وأدب النفس ، و أدب العالم والمتعلّم ، و بيان الفرق بين الصدر والقلب والفؤاد واللبّ ، و الصلاة ومقاصدها ، و الحجّ وأسراره ، و منازل العبّاد ، و الأمثال من الكتاب والسنّة ، و علم الأولياء ، و العقل والهوى .
